30
مايو

دور المدرسة في تشكيل التمثلات النفسية الاجتماعية حول المستقبل التعليمي لدى المتعلمين.

"مقاربة نفسية اجتماعية"

 

تعتبر التمثلات النفسية الاجتماعية إحدى بؤر اهتمامات عدد كثير من العلوم الإنسانـية، خصوصا علم النفس الاجتماعي، لما أصبحت تلعبه من أدوار أساسية في بناء الحقيقة الاجتماعية و في تغييرها حسب الوضعيات التي يحتلها الأفراد الاجتماعيون ضمن السياقات الاجتماعيــة و السياسية الناظمة للحقل المؤسساتي المجتمعي. و بذلك فاشتغالنا على موضوع التمثلات الاجتماعية من زاوية نفسية اجتماعية يفرض علينا تحديد طبيعة المكونات المشكلنة لها، عبر تجليات الفعـل و رد الفعل الذي يمارسه الفـرد أو جماعة من الأفراد داخل الوسط السوسيوثقافي في صورته الشمولية و في أبعاده النسقيــة، أو في عمق المؤسسات الاجتماعية و التربوية التي ينتمي إليها الأفراد الاجتماعيون، أو الممارسة تجاه الذات الناظمة للبعد النفسي الاجتماعي المحدٍّد لهويتها و كنهها الحقيقي؛

 

ما دام أن التمثلات الاجتماعية – في بعدها المعرفي – تحيلنا في جانب ما ، إلى جوهر و عمق الاختلافات الثقافيـــة و الممارسات المتميزة[2]، داخل مختلف الأوساط الاجتماعيــة و الثقافية القائمة كحقيقة في بنية المجتمع الكلي.

و بذلك فالإشكالية العامة المؤطرة لهذه الدراسة النظرية يمكن حصرها في التساؤل المركزي التالي:

r هل المدرسة العربية عامة و المغربية خاصة، تلعب أدوار أساسية في تشكيــــــل و تكوين تمثلات إيجابية لدى المتعلمين نحو مستقبلهم التعليمي؟

و هذا التساؤل يحيلنا إلى اقتراح مجموعة من الأسئلة الفرعية بهدف التبسيط و التوضيح:

1. هل المدرسة الحالية بناء على توجهاتها الفلسفية التربوية تقوم بوظيفة التعليم من أجل التثقيف؟، أم تقوم بوظيفة التنجيح بهدف الارتقاء بالمتعلم إلى المسالك التعليمية العليا، أم بوظيفة الاصطفاء اعتمادا على مبدأ الاستحقاق؟.

2. هل المدرسة تقوم أو تلعب دورا استراتيجيا في تكوين تمثلات إيجابية لدى المتعلمين و الآباء نحو المدرسة ذاتها كفضاء للتربية و التعليم بهدف إكساب الوظيف؟. أم أنها تكسبهم تمثلات سلبية يفترض أن تنعكس سلبا على حسن اندماجهم مع وسطها؟

3. ما هي أنواع الأساليب التي يفترض أن تعتمدها المدرسة (إداريون، أطر تعليمية) لتشجيع الاستمرارية في التعلم لدى المتعلمين، بالدفع بهم لاتخاذ قرارات تعليمية تجاه مستقبلهم التعليمي، عن طريق بناء مشاريع تكون نابعة من طموحهــــــــــــم و ميولاتهم و خيارا تهم الذاتية؟، أم أن المدرسة تساهم بأساليب معينة في جعلـــهم يعرضون عن الاستمرارية في التمدرس، بتشجيعهم على البحث عن ملاجئ أخرى للحماية و تأكيد الذات؟…

قبل الدخول في عمق هذه الإشكاليات تفسيرا و تحليلا، لا بد في البداية من تحديد بعض الأجهزة المفاهيمية التي يحتويها عنوان هذه المقالة:

¨ مفهوم المدرسة: أغلب الدراسات التي اهتمت بمفهوم المدرسة، لم تحسم بشكل إجرائي في دلالتها كاصطلاح، و هو ما جعلها تتحدث عن وظيفتها الإيديولوجية و أدوارها الاجتماعية.

و هكذا نلاحظ بأن الكتابات السوسيو تربوية و المستهلكة بكثرة كخطاب في الساحة العربية عامة و المغربية بشكل خاص، تعاملت مع المدرسة من موقع البحث عن خلفياتها الاجتماعية و الثقافية، ضمن الحركة العامة للصراع الاجتماعــي، و ليس من باب التعامل معها كموضوع و كاصطلاح قابل للتحديد؛ و لقد علمنا من منطلق بحث [3] أنجزناه سابقا إلى إعطاء تحديد دقيق للمدرسة من وجهة نفسية اجتماعية حصرناه كالتالي:

"المدرسة نظام من العلاقات التربوية و الاجتماعية، و التفاعلات النفسية و الاجتماعية بين أطراف و مكونات العملية التعليمية التعلمية، يحكمه الانجذاب أو التنافر حسب الموقع الذي يحتله كل طرف داخل السياق التعليمي العام، و أيضا حسب تمثلات كل طرف عن الآخر و عن المدرسة ككل، و يتيح للمتعلم اكتساب معارف و قيم و نماذج من السلوكات المحددة سلفا تحقيقا للأهداف المرصودة للمؤسسة، و لغاياتها القريبة أو البعيدة"[4]. .

مفهوم التمثلات: تعد التمثلات من المفاهيم الأكثر تعقيدا من حيث التحديد الإجرائي لمدلولها
و مكوناتها، و هذا راجع لتداخل الاختصاصات في الاشتغال على المفهوم و في مقاربته كل من زاويته الخاصة، و سنحاول عرض بعض هذه التعاريف خالصين إلى إعطاء تعريف للتمثلات من منطلقنا السيكو سوسيولوجي الذي هو حقل اهتمامنا.

التحديد اللغوي: عند ابن منظور نجد ما يلي: ماثل الشيء أي شابهـــــــــه، و التمثال هو الصورة. و مثل له الشيء أي صوره، كأنه ينظر إليه، و امتثــــــله تصوره، و مثلت له كذلك تمثيلا، إذا صورت له مثاله بكتابة أو غيرها.[5]

في المعجم الوسيط: مثل (و التشديد هنا للمبالغة)، أي شبهه و قدره على قدره، مثل الشيء لفلان أي صوره له، تمثل الشيء: تصور مثاله (كقوله تعالى "فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا" صدق الله العظي[6].

ما يمكن استخلاصه من التحديد اللغوي، كون كلمة تمثل حدد معناها كعملية تفكير لها علاقة بمجموعة من الصور الذهنية حول الموضوع المصور.

أما في المعاجم الأجنبية وجدنا ما يلي: في معجم لالاند: التمثل هو كل ما هو حاضر في الذهن[7].

في معجم بيرون PIERON Herni ، التمثل هو محتوى ملموس لفعل ذهني[8].

في المعجم الموسوعي للتربية و التكوين: التمثل هو فعل ذهني يتناسب الفرد من خلاله مع الشيء[9].

على العموم يمكن القول بأن مفهوم التمثلات ارتبط بشكل مباشر بالمجال السوسيولوجي التقليدي، و حديثا بالسوسيولوجية الأوربية، خصوصا الفرنسيـــــــة، و احتل مكانة متميزة في الأنظمة الفلسفية، استعمل في الأدبيات الماركســـــــية، و اشتهر بالخصوص مع دوركايم. غير أن هناك اختصاصين رئيسين تبلور من خلالهما مفهوم التمثلات الاجتماعية كحقل للاستقصاء: السوسيولوجيا مع "دوركايــــــــــــم" و علم النفس الاجتماعي من خلال دراسات "سيرج موسكوفيشي و جودليت و أبريك و غيرهم.

و إذا كانت التمثلات تعتبر شكلا من أشكال المعرفة، فإنها تعد كذلك نظاما من التفسيرات، التي تساهم في بناء حقيقة مشتركة بالنسبة لوحدة اجتماعية (أفراد اجتماعيين، مؤسسات اجتماعية)[10].

فالتمثلات تحيط بمرحلة التفكير التصوري فهي بهذا المعنى و حدة الصــــــــور و المفاهيم و التفسيرات المعطاة للمواضيع و الأشياء المعيشة، فهي ليست فقط -حسب وجهة نظر سيرج موسكوفيشي- انعكاسا مباشرا للموضوع المدرك و المعاش أو شكلا من التفكير الملموس بل هي كل هذه الأشياء[11]، إنها طريقة في التفكير الممارس و الموجه نحو التواصل الفهم و التحكم في المحيط الاجتماعي المـــــادي، و تعبر كذلك عن العلاقات التي يقيمها الأفراد و الجماعات فيما بينها مع المجتمع الكبير، و أيضا مع باقي المجتمعات الأخرى في إطار التبادلات و الاحتكاكات الثقافيــة و القيمية من خلال عملية التأثير و التأثر الجاري بهما العمل، و من هذا المنظور تتجلى أهمية التمثلات في كونها تفتح لنا آفاقا جديدة لمعرفة الحقيقة الاجتماعـــية و تعطينا تفسيرات واضحة حول تصورات الأفراد و الجماعات حيال الظواهر و الأحداث المعاشة من طرفهم، انطلاقا بطبيعة الحال من عمق التفاعلات الموجودة بينهــــــم و بين الوسط السوسيوثقافي الذي ينتمون إليه.

و كخلاصة يمكن القول على لسان "سيرج موسكو فيشي" بأن التمثلات عملية دينامية لإعادة بناء الواقع و في نفس الوقت إمكانية تتيح لنا فهمـــه من جديد[12] ،كما أنها عبارة عن حقائق ملموسة بإمكاننا بلورتها و تمريرها أو مصادفتها بدون انقطاع في الخطابات اللفظية و الحركات و المقابلات الجاري بها العمل من طرف أفراد المجتمع داخل مجالات متعددة و مختلفة.

و لهذا الاعتبار نشير للدور الذي تلعبه التمثلات الاجتماعية داخل أحداث التربية، بحيث تسمح لنا بالانتقال من الوصفي إلى التفسيري، و تضمن لنا الوساطة ما بين الأفكار و الأحداث، ما بين النوايا
و الممارسات، كما تفتح للتحليل آفاقا كبيرة لتفسير دلالتها و خلفياتعا الفكريــــــــــة و الثقافية و الاجتماعية.

علاقة المدرسة بموضوع التمثلات نحو المستقبل التعليمي.

يمكن اعتبار تمثلات المستقبل التعليمي، مجموعة من الرغــــــــــــــــبات و النوايا و الطموحات و التوقعات التي يكونها المتعلمون حيال حياتهم المدرسية المستقبلية، تتحكم فيها من جهة الظروف السوسيو اقتصادية للوسط الاجتماعي الذي ينتمون إليه، و المتغيرات المحيطة بمسارهم التعليمي، سواء على مستوى الأبعاد العلائقية الموجودة داخل المؤسسة، أو على مستوى طبيعة التقديرات التي يحصلون عليها من جراء عمليات التقويم. و هكذا تعد تمثلات المتعلمين للمستقبل التعليمي كروابط اجتماعية، تتحدد من منطلق القرارات المتخذة من طرف التلاميذ، إما في السير بعيدا في التجربة التعليمية، أو من خلال التوقفات التي يمكن لهم الحسم فيها بشكل مبكر بناءا على طبيعة النتائج المحصل عليها في هذا الإطار.

و انطلاقا من التساؤل العام و التساؤلات الفرعية المذيلة له يمكننا تسجيل مجموعة من الملاحظات العامة، نحصرها كالتالي:

الملاحظة الأولى: من خلال المعاينات المجددة بدون انقطاع، بواسطة الإحصائيات و الدراسات السوسيوتربوية حول المسار المدرسي المتعثر. و ضعف النظام التربوي في التقليص من حدة اللامساواة، نلاحظ ثمة تغيير طرأ على تمثلات المتعلمين و على الوسط العائلي نحو المستقبل التعليمي، تحت تأثير النقد الإيديولوجي "للموهبة"، الموجه من طرف السوسيولوجيين، و مقولة اللامساواة في الذكاء من طرف البيولوجيين، و هو ما أعطى للمدرسة إمكانية التستر وراء الفوارق الفردية الموجودة بين المتعلمين، باعتبارها فوارق طبيعيـــــــــة، و إحالة الضعف المدرسي لأسباب ذاتية، مرتبطة باستعدادات فطرية موروثة أصلا.

الملاحظة الثانية: إذا كان الخطاب العلمي يرمي في مستواه العام إلى الدفع بتغيير الوظيفة الاجتماعية للمدرسة، من موقع مطالبتها بالمشاركة في العملية الديمقراطية، بتبنيها لمقاربات بيداغوجية أكثر فعالية (التقويم نموذجا)، فإن المدرسة، ظلت وفية لوظيفتها الاصطفائية، و تعمل جاهدة الآن للدفاع عنها تحت شعار الاختلافات الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية الموجودة بين المتعلمين.

الملاحظة الثالثة: تسعى المدرسة حاليا من خلال توجهاتها الكبرى إلى برمجة الفشل الدراسي من خلال تحديد الخريطة المدرسية المحصورة في نسب مائوية مقننة لممارسة اصطفاء جديد على كل طفل معوق سوسيوثقافي.

الملاحظة الرابعة: تحاول المدرسة البحث عن مقاييس جديدة، تحرض المتعلمين على الخروج من النظام المدرسي بشكل مبكر، و الدفع بهم إلى البحث عن ملاجئ اصطناعية نتيجة قلقهم على مستقبلهم التعليمي.

الملاحظة الخامسة: إن تمثلات المتعلمين لمستقبلهم التعليمي، سواء على المستوى القريب، والمحدود في زمن تعليمي تعلمي له صلة بسلك أو سلكين تعليميين، أو على المستوى البعيد، أي الطموح و الرغبة في متابعة الدراسات الجامعية كمشروع يتم التخطيط له، و بالرغم من أن المدرسة لها دور في تشكيل هذا التمثل، فيبقى أيضا للأسرة و لوضعها الاقتصادي و الاجتماعي، نصبب كبير في تكوينه كذلك، و هو ما يترجم بروز تلك المشاريع كتمثلات من جهة، و كإمكانيات تمنح للمتعلمين بهدف تحديد مستقبلهم التعليمي، سواء من منطلق الاستمرار أو التوقف عن الدراسة حسب طبيعة الظروف السوسيو ثقافية المعيشة داخل الأوساط التي تنتمي إليها الفئات المستهدفة في العمل التربوي التعليمي.

الملاحظة السادسة: إن عملية تكوين التمثلات لدى المتعلمين نحو المستقبل التعليمي لها علاقة من جهة بنجاحهم المدرسي و بالتقديرات الرقميــــة و التقويمات الكيفية الممنوحة لهم من طرف الأساتذة، و من جهة أخرى بالوضع الاقتصادي العام السائد في المجتمع، و من جهة أخيرة بالضمانات التي تقدمها الدولة في هذا الإطار، خدمة للتنمية الاجتماعية و الاقتصادية، و هو ما يطرح مشكل انعدام التكافؤ في الفرص التعليمية على الواجهة.

الملاحظة السابعة: إذا كان الأساتذة يعتبرون حكاما عادلين انطلاقا من موقعهم الرسمي كمنفذين للتعليمات الرسمية الموجهة إليهم عبر مذكرات تنظيمية في هذا الشأن، فأنهم مجبرون على تنفيذ اصطفاء جديد على متعلميهم، بعيدا عن تحقيق مبدأ التكافؤ في الفرص التعليمية، و بعيدا عن المقولات البيداغوجية المرفوعة كشعارات في الممارسة التعليمية، ( بيداغوجيتي التقويم و الدعم…).

الملاحظة الثامنة: إن غموض الآفاق المستقبلية بالنسبة للمتعلمين، يدفع بهم في حالات عديدة إلى الذهاب إلى المدرسة إرضاء فقط لآبائهم و ليس لرغبة ذاتية نابعة من قناعا تهم الشخصية، الشيء الذي قد ينعكس بشكل سلبي على مصيرهم التعليمي و على تمثلاتهم الإيجابية للمدرسة عموما كفضاء للتثقــــــــــيف و التعلم و التنشئة الاجتماعية…

إن طبيعة هذه الملاحظات التي قدمناها كإجابات مرحلية عن الأسئلة الفرعية التي انطلقنا منها في بداية هذا العرض، مازالت في حاجة إلى تأطير نظـــــــــــــري و ميداني في نفس الوقت، حتى نعطيها شرعيتها العلمية كحجج و توقعات قائمة بالفعل في البناء العلائقي الموجود بين المؤسسة المدرسية و المتعلمين، و تمثلات الآباء لهما معا.

و داخل نفس السياق الذي نحن بصدد بناء حفرياته، نشير بالمناسبة إلى ظاهرة عامة فرضت نفسها علينا بإلحاح، و تتطلب منا نوعا من التفكير الهادئ لتفسير دلالاتها الاجتماعية و الاقتصادية، و يتعلق الأمر بالعلاقة الكامنة بين المؤسسة المدرسية و الوسط العائلي عموما، من حيث نوع التمثلات الموجودة لدى الآباء نحو وظيفة المؤسسة المدرسية في حياة أبنائهم، إذ يتبين لنا أن الآباء أصبحوا يرسلون أبناءهم للمدارس من أجل الحصول على الوظيف في قطاع الدولة أو القطاع الخاص، إذن فجوهر العلاقة الموجودة بين الأســــــــــــــر و المدرسة، مرتبط في تمثلات الآباء بالكسب المادي ذي الصبغة النفعية، و ألغى الجانب التعليمي و التثقيفي الذي كان مراهنا عليه سابقا. و هذا في اعتقادنا متغير جديد طرأ على البعد العلائقي الذي كان تاريخيا مثاليا[13] و أثر بشكل سلبي على تمثلات المتعلمين للمستقبل التعليمي، خصوصا و أن الآباء في مثل هذه الوضعية غالبا ما يساهمون هم الآخرون في الدفع بالأبناء إلى الانقطاع عن الدراسة مادام الواقع المدرسي لم يعد قادرا على تحقيق مثل هذه التمثلات نتيجة الأزمة. و مثل هذا التصور يحيلنا إلى بعض الأفكار الفلسفية، و كنموذج "نتشه" الذي صرح بأن "كل تربية يرجى من ورائها الرزق لا تعتبر تربية"، نفس القول لدى (علال الفاسي) كذلك، حينما عبر بأنه "ليس الهدف من التعليم هو كسب الـــــرزق و انما هو التثقيف"، و طلب العلم لذات العلم.

و هكذا نخلص إلى التساؤل الإشكالي التالي: كيف يمكن للمدرسة أن تلعب دورا استراتيجيا في تكوين تمثلات إيجابية لدى المتعلمين نحو مستقبلهم التعليمي؟

لتحقيق هذا المطلب و لو في حدوده الدنيا، يشترط في المدرسة أن تتخذ إطارا للعمل الديمقراطي، بين كافة الفاعلين الاجتماعيين و التربويين، من مرتكزا ته الأساسية العدالة الاجتماعية و التربوية، و التكافؤ في الفرص التعليمية بين مختلف الفئات الاجتماعية المستهدفة داخل المؤسسة المدرسية.و أن:

Þ تعلم الشباب التاريخ و الجغرافيـــــــا و الاقتصاد، بهدف فهم آليات المجتمع الذي ينتمون إليـــــــه، و تقييم التجارب التي يعيشها مجتمعهم الحالي على جميع المستويات؛

Þ أن تلقن لكل للشباب العلوم و التقنيات من اجل تقدير رفاهية الإنسان على مستوى الاختراع، و تقدير أيضا الأخطار التي يمكن أن تترتب عنها و آثارها السلبية على حياته؛

Þ أن تعلم المدرسة الشباب التفكير الرياضي و برهان التجربة العلمية:

Þ أن تعلم المدرسة جميع أفراد المجتمع بمختلف انتماءاتهم الاجتماعية، كفايات القراءة و الكتابة و البناء و التخطيط، و لم لا كيفية استعمال الحاسوب و الانترنيت؛

Þ أن تدفع المدرسة الكل لمعرفة استعمال مختلف أشكال التواصــــــل و الفن، من أجل التحاور و التوثيق و مناقشة الأفكار الداخلية و الخارجية؛

Þ أن تكسب المؤسسة المدرسية المتعلمين و الشباب عقلية ذكية لتفكيك الأحكام المسبقة، و الطموح لثتوير العالم.

فالأهم بالنسبة للمؤسسة المدرسية أيضا، ليس رفع شعارات تحرريــــة و تقدمية، من خلال تداعيات لفظية مدونة في وثائق رسمية و توجيهات فوقية، و إنما هو العمل على تصريف تلك المبادئ تصريفا إجرائيا، من خلال العلاقات الأفقيــــــــــة و العمودية المؤسسة بين أقطاب العمل التعليمي التعلمي، في أفق خلق ضمانات سيكولوجية لدى المتعلمين، و الدفع بهم من موقع العدالة الاجتماعية المراهن عليها على بدل الجهد، و حرق المراحل، و تحقيق القفزات النوعية المرتقبة منهم، ضمانا لحسن اندماجهم مع الواقع المدرسي، و ضمانا لتكوين تمثلات إيجابية نحو مستقبلهم التعليمي.

إن مهمة المدرس في التأثير على البناء النفسي الاجتماعي للمتعلم، تبقى ذات أساس جوهري لإعادة الثقة في المدرسة، و للدفع به إلى المثابــــــــرة و الاجتهاد تجاوزا لعتبة الفشل التي أصبحت أكثر استهلاكا في العملة المدرسية حاليا.

و على ضوء ذلك نقترح أن تخلق المدرسة شكلا من الشراكة، و إذا شئتم عقدا بيداغوجيا بينها وبين و الوسط الأسرى، يأخذ إطاره الإجرائي من خلال احترام المبادئ التالية:

¨ أن تعمل الأسرة و المؤسسة المدرسية على تحقيق الأهداف التربويــــــــة و البيداغوجية المرصودة للمتعلمين بهدف تحقيق الشخصية المرتقبة.

¨ يجب مساعدتهم على تحقيق الجودة التعليمية التعلمية من خلال المراقبة، التتبع، التواصل مع المدرسين، الوقوف على عوامل التعثر، و البحث عن وسائل علاجية لها.

¨ مساهمة الآباء في تنشيط الأعمال الموازية للمؤسسة المدرسية.

¨ تخصيص حصص للدعم خارج إطار العمل و بشكل مجاني.

¨ تنشيط المؤسسة بعروض ثقافية، مسرحية، العاب، لتجديد الأنشطة لدى المتعلمين.

¨ تنظيم اجتماعات دورية لإشراك الآباء في تقويم أعمال أبنائهم و الوقوف على نتائجهم ضمانا لمستقبل تعليمي مستمر.

¨ توعية الآباء بالدور التربوي و التعليمي الذي يجب أن يقوموا به من خلال فتح حلقات تكوينية تساهم في تنشيطها فعاليات تربوية و سيكولوجية لتحقيق التوعية.

¨ مراقبة الآباء لأعمال أبنائهم، وبعث تقارير كتابية أو شفوية في الموضوع إلى إدارة المؤسسة بهدف الوقاية و العلاج.

إن عملية تحقيق هذه المبادئ ضمن إطار العقد البيداغوجي الذي يجب أن يؤسس بين الآباء و الأبناء و المؤسسة المدرسية، كفيل بتصحيح تمثلات الآباء نحو المدرسة، و كفيل أيضا بجعل المتعلمين في مستوى اتخاذ قرارات مدرسية في حق مستقبلهم التعليمي، مادام هاجس التوعية و التشارك و الحوار المفتوح بين مختلف الفاعلين التربويين قائم ضمن إطار ضمان عدالة مدرسية و تكافؤ في الفرص التعليمية بالنسبة للجميع.

تلكم مجموعة من الإجراءات التنظيمية التي يمكن أن تتخدها المؤسسة المدرسية ، لكي تكون أكثر انفتاحا على الوسط الاجتماعي المحيط بها، و أكثر تصحيحا لتمثلات كل من الآباء و الأبناء حيال و وظيفتها التعليمية و التنشيئية.

لكننا مهما حاولنا إزالة الحواجز و البحث عن بؤر التنسيق و الشراكة و تجاوز المشكلات التعليمية التعلمية فيبدو أن ثمة أشياء ليست على ما يرام داخل مدرسة اليوم، و كل واحد منا -كفاعل اجتماعي و تربوي- يقترح علاجه البيداغوجي:

¨ يجب تغيير هذا الوضع يقول المتعلمون.

¨ يجب دعم المتعلمين يقول الأساتذة الذي يقرون بضعف المستوى داخل المؤسسات العمومية.

¨ يجب تأسيس التسيير الذاتي البيداغوجي يقول الأساتذة من موقع مبادرتهم الذاتية في حل الأزمة القائمة في صلب المؤسسات التعليمية.

¨ يجب تحقيق عدالة مدرسية داخل المؤسسة تقول الجمعيات الحقوقية.

¨ يجب فتح المدرسة في وجه الآباء يقول الآباء.

¨ يجب تغيير عقلية و سلوك الأساتذة يقول وزراء التربية و التعليم، أمام تفاقم ظاهرة الساعات الإضافية.

¨ يجب فتح المدرسة في وجه الشركات يقول المهيمنون.

¨ يجب البحث عن نظام للتكوين بالكفايات المهنية، نضالا ضد بطالة الشباب تقول الباترونا.

¨ يجب الإبقاء على مجانية التعليم و وقاية المدرسة العمومية تقول النقابات.

و لكن مهما اختلفت هذه الحلول و تعددت يبدو أن هناك اتفاق على وجود أزمة: أزمة مجتمع، أزمة اقتصادية، أزمة معلمين و أساتذة، أزمة تعليم، أزمة متعلمين، أزمة مدرسة[14]، أزمة علاقات بين مدخلات الفعل التربوي التعليمي و بين النسيج الاجتماعي……..


[1] باحث في علم النفس الاجتماعي، و أستاذ علوم التربية بالمركز التربوي الجهوي محمد الخامس ، أسفي / المملكة المغربية.

[2] MOSCOVICHI,S : La psychanalyse, son image et son public. Paris, 2° éditions, 1976,P :501

1. [3] محمد لمباشري: علاقة التلفزة و المدرسة بالتنشئة الاجتماعية للطفل. دراسة نفسية اجتماعية1994 ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، تخصص علم النفس الاجتماعي.كلية الآداب و العلوم الإنسانية، بالرباط/ المغرب، غير منشور.

2. [4] نفس المرجع ص 63 .

3. ابن منظور: لسان العرب. المجلد 11بيروت، 1990 ، 742 صفحة، الصفحة 213

[6] مجموعة من المؤلفين: المعجم الوسيط، الجزء الثاني، ط 2، 1972 ، ص 1067 ، ص 853 .

[7] LALANDE, A : Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Paris, P. U.F. led, 1968, p: 921.

[8] PIERON, H,: Vocabulaire de la psychologie. Paris, P.U.F. 1963, p.339.

[9] PHILIPPE, champy et autres: dictionnaire encyclopédique de l’éducation et de la formation. Ed, Nathan 1994, 1097 p: 868/

[10] للتعمق في هذا الموضوع يمكن الرجوع لبحثنا:محمد لمباشري: تمثلات المتعلمين للمعرفة المدرسية و علاقتها بتوافقهم الاجتماعي. بحث لنيل دكتوراه الدولة ، تخصص علم النفس الاجتماعي، كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط/ المغرب/2004. موجود بالخزانة الجهوية بإقليم أسفي المغرب.

[11] Cité par S. MOSCOVICI: Introduction à la psychologie sociale. Paris larouse, 1973, p, 34.

[12] Idid p.40.

[13] أنظر في هذا السياق بحث: مبارك ربيع: مخاوف الأطفال و علاقتها بالوسط الاجتماعي: منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط. 1991.

[14] محمد لمباشري: المدرسة للمزاد العلني. جريدة العلم. ملحق العلم الثقافي، السنة 1989 .

اضافة تعليق